أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده

303

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم

عظيم الجاه عالي الرتبة مسموع الكلم مشهور الاسم يضرب به الأمثال ، وتشد إليه الرحال . ثم ترك الدنيا ورفض الجاه وراء ظهره ، وقصد بيت اللّه الحرام ، فخرج إلى الحج سنة ثمان وثمانين وأربعمائة ، واستناب أخاه في التدريس ، فدخل دمشق في سنة تسع ثم جاور بيت المقدس مدة ثم عاد إلى دمشق واعتكف بالمغارة الغربية من الجامع عشر سنين ثم جال في البلاد يزور المشاهد ويطوف على الترب والمساجد ، ويأوي القفار ، ويجاهد نفسه جهاد الأبرار ، ويكلفها مشاق العبادات ، ويبلوها بأنواع القرب والطاعات ، إلى أن صار قطب الوجود والبركة العامة بكل موجود ، والطريق الموصلة إلى رضى الرحمن ، والسبيل المنصوب إلى مركز الإيمان . ثم رجع إلى بغداد ، وعقد بها مجلس الوعظ ، وتكلم على لسان أهل الحقيقة وحدث بكتاب ( الأحياء ) . ثم عاد إلى خراسان ودرس بالنظامية بنيسابور مدة يسيرة ، ثم رجع إلى طوس واتخذ مدرسة للفقهاء وخانقاها للصوفية ووزع أوقاته على وظائف : من ختم القرآن ومجالسة أرباب القلوب والتدريس لطلبة العلم ، وأدائه الصلاة والصيام وسائر العبادات ، إلى أن انتقل إلى رحمة اللّه ورضوانه طيب الثناء ، أعلى منزلة من نجم السماء ، لا يكرهه إلا حاسد أو زنديق ولا يسومه بسوء إلا حائد عن سواء الطريق . وكانت وفاته بطوس في يوم الاثنين رابع عشر جمادي الآخرة سنة خمس وخمسمائة . قال هو قدس سره في بعض مؤلفاته : كنت في بدايتي منكرا لأحوال الصالحين ومقامات العارفين ، حتى حظيت بالواردات فرأيت اللّه تعالى في المنام ، فقال لي : يا أبا حامد ، قلت : أو الشيطان يكلمني ، قال : لا ، بل أنا اللّه المحيط بجهاتك الست . ثم قال : يا أبا حامد ، ذر أساطيرك وعليك بصحبة أقوام جعلتهم في أرضى محل نظري ، وهم أقوام باعوا الدارين بحبي ، فقلت : بعزتك الا أذقتني برد حسن الظن بهم ، فقال : قد فعلت ذلك ، والقاطع بينك وبينهم تشاغلك بحب الدنيا ، فأخرج منها مختارا قبل أن تخرج منها صاغرا ، فقد أمضيت عليك نورا من أنوار قدسي ، فقم وقل . قال : فاستيقظت فرحا مسرورا ، وجئت إلى شيخي يوسف النساج ، فقصصت عليه المنام ، فتبسم وقال : يا أبا حامد ، هذا ألواحنا في البداية ، فمحوناها . بلى إن صحبتني سأكحل بصر